جدليات الحرب والسلم بين القاعدة والثورات العربية

منذ إعلان الشيخ الشهيد أسامة بن لادن تقبله الله الحرب على أمريكا ومنذ تكوينه للجبهة العالمية لجهاد الصليبيين بدأ الأمريكان بحرب إعلامية قذرة ضد المجاهدين، وعلى رأسهم تنظيم القاعدة، ولم تقف هذه الحرب عند شيء، فهي قذرة بطبيعتها فلم يراعي الأمريكان فيها صدقاً، ولم يلتفتوا فيها إلى مصداقية، بل استخدموا كل ما وقع بأيديهم من وسائل، وكل ما أوحى لهم به شياطينهم من الأنس والجن لضرب المجاهدين وضرب منهجهم، فأسسوا عشرات القنوات وجندوا آلاف الإعلاميين بل ونقلوا حربهم هذه إلى مستوى جديد من خلال تجنيدهم لعشرات من شيوخ السلطان، كل هذا لضرب مصداقية المجاهدين وزرع الشك بينهم وبين الشعوب التي انطلقوا مقاتلين لأجل حريتها ورفع الظلم والعدوان عنها. ولقد استغلوا كل موقف ووظفوا كل حدث في حربهم القذرة هذه، ولم يكن حدث الثورات العربية استثناءاً، فاستغلوه أبشع استغلال لضرب المجاهدين إعلامياً وتشويه صورتهم

فزعموا أن هذه الثورات قد أثبتت فشل المجاهدين، وأنها حققت في أيام ما لم يستطع المجاهدين تحقيقه بمنهجهم المعتمد على “العنف”، وتطرف الكثير من هؤلاء إلى حد الإعلان عن وفاة القاعدة وانتهائها بسبب الثورات العربية. وبدأت هذه الفكرة في الغرب من خلال مقالات متفرقة في هذه الصحيفة أو تلك، وبعدها أصبحت خطاباً معتمداً عند الغربيين وعملائهم المرتدين في بلادنا، ومنهم تلقفها كل من يرى في القاعدة ومنهجها تهديداً له وبدأ بتردديها كبعض المحسوبين على الإخوان المسلمين وغيرهم. ثم جاء الخبر المفجع باستشهاد الشيخ أسامة ليعطي دفعة جديدة لمثل هذه الأقاويل، واعتقد أعداء الله أنهم بمقدورهم استغلال الأثر النفسي الذي نتج عن استشهاد الشيخ المجدد لتمرير هذه الفكرة وزرعها في عقول الناس وجعلها واقعاً بينهم. وسنحاول في هذه المقالة تفحص صدقية هذه الإدعاءات بشكل موضوعي وبعيداً عن العاطفة، لنرى هل فعلاً هذه الثورات هي معاكسة لفكر القاعدة؟ وأنها بنجاحاتها قد حسمت المسألة لصالح القائلين بالحلول السلمية؟ إلى غير ذلك من الأقاويل. وأقدم هذه المقالة إلى المخدوعين بمثل هذا الخطاب من أبناء جلدتنا من المسلمين، لأذكرهم هنا ببعض الحقائق التي غابت عنهم وسط طوفان الأكاذيب، وتسونامي التشويه الذي ما انفك الإعلام عن ترديده ليل نهار.

منطلقات خاطئة

وبعد أن قرأت أكثر المقالات التي تتبنى الإنتصار للمنطق السلمي ونقض المنهج الجهادي، واستمعت إلى العديد من الحلقات النقاشية التي حاولت جاهدة الدفع بهذا الإتجاه، وجدتها تتسم بسمتين أساستين: الأولى هي الجهل المتعمد أو العفوي بطبيعة القاعدة وحقيقتها، والثانية هي المنطلقات والأسس الخاطئة الناتجة عن هذا الجهل والتي بني عليها مثل هذا الخطاب. ولعلي ألخص أبرز هذه المنطلقات الخاطئة في النقاط التالية:

1- الإدعاء والزعم بأن أهداف القاعدة خصوصاً والمجاهدين عموماً تختلف عن أهداف الشعوب، وأن القاعدة تقف بالضد من هذه الثورات، وكأن القاعدة لم تخرج من رحم هذه الشعوب بل نزلت عليهم من المريخ ربما. وقد حاولوا كثيراً ترديد هذه الأكذوبة وترسيخها في عقول الناس لزرع هوة مصطنعة وفجوة نفسية بين المجاهدين والشعوب تمنعهم من التواصل والإستماع لبعضهم البعض. وبدأ الإعلام بشخصنة المجاهدين وتحجيمهم في تيار واحد وهو التيار السلفي الجهادي لعزلهم عن بقية الناس، وإظهار المجاهدين أنهم يعادون بقية التيارات بل ويكفرونها ولا يرون الحق إلا في تيارهم. وللأسف فقد سقط الكثير من مناصري المجاهدين في هذا الفخ وبدئوا يرددون هذه التسمية (السلفية الجهادية) ويحجمون المجاهدين فيها بدلاً من أن يكون لفظ “المجاهدين” الأشمل والأعم هو المعتمد. وهنا لا يمكن لمنصف أن ينكر أن أغلب الجهاد في العالم الإسلامي اليوم وأكثره بئساً يقوم به مجاهدون ينتمون للمنهج السلفي القويم، ولكن هذا شيء وإطلاق تسمية معينة تحجمهم وتعزلهم عن باقي أمتهم شيء آخر. (ولعلنا نفصل حول هذا الموضوع في المستقبل القريب إن شاء الله).

2- الإدعاء بأن تنظيم القاعدة خصوصاً والمجاهدين عموماً لا يرون سبيلاً غير الجهاد القتالي في إخراج هذه الأمة من ظلمات الإنحدار الحضاري إلى نور الرفعة والعلو. وهذا لا شك أنه افتراء خطير بل أمر لا يقول به عاقل، فكيف يمكن لعاقل أن يلغي جميع الأدوات التي شرعها الله سبحانه وتعالى لإحقاق الحق ودحر الباطل إلا أداة الجهاد. وكأن الذين افتروا هذه الفرية على المجاهدين لم يستمعوا إلى المجاهدين وهم يحرضون أمتهم مراراً وتكراراً على القيام بواجبها ودورها في التصدي لما يقض مضجعها كل حسب قدراته وإمكانياته وكل من موقعه، ومثال ذلك دعوة الشيخ الشهيد أسامة رضي الله عنه وتحريضه للعلماء مراراً وتكراراً على القيام بواجبهم في الصدع بالحق، ودعوته لهم لتأسيس كيان مستقل يقومون من خلاله بواجبهم الدعوي في دفع العدوان عن أمة الإسلام، ومثال آخر دعوة حكيم الأمة الشيخ المجاهد أيمن الظواهري حفظه الله لأهل مصر للقيام بالعصيان المدني ضد الطاغوت مبارك قبل حدوث الثورة المصرية بأشهر، وغيرها الكثير من الأمثلة التي تثبت وبما لا يدع مجالاً للشك أن المجاهدين هم أهل علم بالسنن الإلهية وأصحاب نظرة ثاقبة ومعرفة بالتاريخ وبالتالي فلا يمكن لمنصف أن يتهمهم بإلغاء جميع أدوات ووسائل التغيير ما عدا الجهاد. ونحن لا ننفي هنا أن المجاهدين يركزون بشكل أكبر على تحريض أمتهم للقيام بالجهاد وذلك لأنه واجب الوقت، حيث دهم العدو بلاد المسلمين وعاث فيها فساداً وخراباً، ولأن أغلب الأمة قد تخلت عن الجهاد وأصبح بالنسبة لها أمراً ثانوياً مما أتاح للعدو السيطرة على أغلب مقدرات الأمة بأسلوب مباشر أو غير مباشر، فتحتم على المجاهدين أن يعطوا الجهاد الأولوية في خطابهم.

3- الجزم بأن الطرق السلمية وحدها (وأشدد على وحدها لأن المجاهدين ليسوا ضد الطرق السلمية المشروعة) هي التي ستجلب التغيير رغم أن تجربة الثورات لم تكتمل بعد، فكيف يمكننا إلغاء جميع الطرق والوسائل ما عدا الوسيلة السلمية من خلال الحكم على تجربة لم تكتمل بعد رغم تحقيقها لبعض الثمار؟ وكيف يمكننا إلغاء الجهاد رغم أن الثورات في سوريا واليمن وليبيا لم تنجح بعد؟ ورغم عودة الإضطرابات إلى تونس؟ (نسأل الله أن يفتح على أهلنا في تلك الدول وينصرهم على الطواغيت).

وأطرف ما في الموضوع هو التجاهل التام الذي يبديه القائلين بانتقاض المنهج الجهادي للموضوع الليبي، فالثورة الليبية تنسف كل من يريد إلغاء الفكر الجهادي والأسلوب “العنيف” في التغيير، كما أنها أثبتت ما كانت تقوله لكم القاعدة منذ زمن وهو أن الثورة الشعبية يجب أن تحدث ويجب استخدام كل الوسائل ضد هؤلاء الحكام، فإذا لم ينفع معهم الطرق السلمية فيجب إعلان الجهاد ضدهم وهذا ما تحقق في ليبيا، فكيف تبررون هذا التناقض في منطقكم السلمي بعد أن أيدتم لجوء الليبيين “للعنف”؟ وما يحدث اليوم في سوريا وليبيا واليمن ربما يثبت أن التغيير السلمي المحدود الذي تحقق في مصر وتونس هو استثناء وليس قاعدة، وأنه يجب استعمال جميع الطرق والوسائل ضد الطغاة ولا يجب الإقتصار على المنهج السلمي معهم.

4- الجزم بأن الديمقراطية – وهي الناتج المتوقع للثورات- هي الخير المطلق الذي سينقل دولنا إلى مصاف الدول العظمى وسينهي جميع مشاكلنا وسيجعل الغرب راضي عنا وسنعيش بعدها بأمان وسلام. وهذا المنطق الخيالي في النظر للأمور ينم عن جهل عجيب للقائلين به، ورغم أننا نؤمن أن الديمقراطية، بصورتها الحالية وبمرجعياتها المناقضة لأصول الإسلام، منهج كفري لا يجوز الإلتجاء إليه، إلا أن هناك أسئلة مطروحة على أولئك الذين يعتقدون جوازها وخصوصاً من الإسلاميين: هل نسيتم التجربة الجزائرية وكيف أننا فزنا بالغالبية وكيف حدث الإنقلاب؟ لعلكم تقولون أن هذا حدث في ظروف غير ظروفنا فنقول لكم ماذا عن تجربة حماس؟ ألم تدخل في الإنتخابات وتفوز بها؟ ماذا حققت وكيف كانت التجربة؟ ألم تحاصر حماس ويجوع أهل غزة ويشن عليهم حرباً مدمرة؟ ألم يخيروا بين التنازل عن مبادئهم أو التجويع والحصار؟ وإذا كانت الديمقراطية هي الخير المطلق الذي سيوصلنا إلى بر الأمان فلماذا يصر أعدائنا على جرنا إليها؟ ولماذا تشدد كلينتون في أول ظهور لها بعد استشهاد الشيخ أسامة على ضرورة أن ينهج الإسلامييون هذا المنهج ويسلكوا طريق الديمقراطية السلمية أو يذوقوا ما ذاق أسامة؟

وهناك أسئلة حول الديمقراطية أشد خطورة وعلى رأسها: ماذا سيحدث إذا قررت الشعوب بأسلوب ديمقراطي قررارت تعاكس المصالح الغربية في منطقتنا؟ ماذا سيحدث إذا قرر الشعب المصري أن يقطع علاقاته مع إسرائيل وأن يتوقف عن حصار إخوانه في غزة؟ ماذا سيحدث في حال إتخاذ الشعب قراراً بإغلاق قناة السويس أمام القطع البحرية العسكرية التي تقتل إخوانه وتحاصرهم؟ ماذا سيحدث إذا قرر الشعب المصري أن يزرع طعامه بيده وأن يعتمد على نفسه ويقول لا للتدخلات والمعونات الامريكية؟ ويمكنني أن أسود عشرات الصفحات بمثل هذه الأسئلة. ولكننا نسمع الآن منطقاً جديداً بدء ينتشر بين الداعين إلى الديمقراطية يسد الطريق على مثل هذه الأسئلة الإفتراضية، وهو أن المرجعية في النظام الديمقراطي ليست إلى الشعب بل إلى أسس الديمقراطية، نعم الشعب ينتخب من يشاء ويفعل ما يريد ولكنه لا يمكن أن ينقض أسس الديمقراطية لأنها مرجعية أعلى من مرجعية الشعب، وهذا ما بدئنا نسمعه يتردد بين أوساط الداعيين إلى الديمقراطية (قالها عزمي بشارة في حديث الثورة على قناة الجزيرة)، وهذا المنطق ينسف توجه بعض الإسلاميين لسلوك طريق الديمقراطية باعتبارها موصلة للحل الإسلامي. وبما أن هذا المقال لا يعنى بمناقشة الديمقراطية وإنما بموضوع القاعدة في ظل الثورات العربية أُذكر بأن إدارجي لموضوع الديمقراطية وكونها الحل أم لا هو لأنها أحد الأسس والمنطلقات الخاطئة للقائلين بسقوط المنهج الجهادي بعد الثورات العربية.

5- ومن ضمن المنطلقات الخاطئة: الحكم على تجربة الخروج المسلح على الطغاة والتي حدثت في ثمانينيات القرن الماضي من منظور واقعنا الحالي، وهو بلا شك سقط في منهج المقارنة العلمية، فكيف يمكننا أن نقارن حقبة الثمانينيات بأدواتها وظروفها ونفسيات ووعي الشعوب آنذاك بزماننا الحالي؟ يكفي أنه في تلك الحقبة لم يكن هناك فضائيات ولا إنترنت ولا فيسبوك ولا تويتر، والأهم من ذلك لم تكن غزوتي نييورك وواشنطن قد حدثت بعد والتي نتج عنها تغير وجه العالم وتغير نفسيات ووعي الشعوب. فالتجربة تلك فشلت لأسباب موضوعية ليس هنا محل سردها، ولكن الإستدلال بها لإثبات فشل المنهج الجهادي في مقاومة الطغاة مقارنة بالمنهج السلمي أمر غير موضوعي ويفتقر للعلمية. ويكفي أن كل عاقل منصف يدرك أن الثورات السلمية أيضاً لم تكن لتنجح في تلك الحقبة للظروف الموضعية ذاتها التي أدت لفشل الجهاديين، ولكن يحسب للمجاهدين أنهم حاولوا وسعوا وبذلوا ما يستطيعون.

6- ومن المنطلقات الخاطئة: معاملة القاعدة على أنها تنظيم شعبوي، يطلب منها ما يطلب من التنظيمات الشعبوية كالإخوان وغيرهم. فلا يمكن المقارنة بين تنظيم طليعي يقوم بعبئ الجهاد ومحاصر وملاحق ويبحث عنه كل جهاز مخابرات على وجه البسيطة، مع تنظيم شعبوي يتاح له حرية في الحركة والإعلام والتعبئة ولو كانت نسبية.

هذا باختصار أبرز المنطلقات الخاطئة التي اعتمد عليها أصحاب المنهج السلمي في تسفيه منهج المجاهدين والزعم بإنتهائه، وهي السمة الثانية الملاحظة على جدالات هؤلاء. أما السمة الأولى فهي الجهل الرهيب والمتعمد في بعض الأحيان بحقيقة وطبيعة القاعدة، وسأحاول في السطور القادمة أن أشرح ماهية القاعدة من وجهة نظري وما الذي تمثله وماذا حققت للثورات العربية بالتحديد.

حقيقة القاعدة

يعتمد الإعلام في تشويه صورة المجاهدين على خاصية مهمة وهي قصر الذاكرة الجمعية للأمة، ولعل الكثير منا نسي الظروف التي نشأ فيها تنظيم القاعدة وهنا تذكير بتلك الظروف. لعلنا نتفق أن الأمة الإسلامية في تاريخها الممتد منذ البعثة النبوية لم تمر بمرحلة ضعف وانحدار حضاري كالمرحلة التي نعيشها، فالأمة متخلفة على جميع الصعد وفي كل المستويات، فالخلافة قد سقطت، والحكام مرتدون موالون للصليبيين وفوق ذلك سراق ظلمة قلما عرف التاريخ نظيراً لهم، والعلماء قد تخلى أغلبهم عن دورهم في الصدع بالحق ومجابهة الباطل، وفوق كل ذلك إحتلال صليبي لجزيرة محمد صلى الله عليه وسلم ينهب الثروات ويدعم الحكام المرتدين ضد أي محاولة للخروج ضدهم وخلعهم، وزاد على هذا دعم الصليبيين اللامحدود لإخوانهم اليهود ضد إخواننا في فلسطين الذين انطلقوا بانتفاضتهم الثانية ناشدين التحرر من ربقة الإستعباد لأحفاد القردة والخنازير، أضف له حصار خانق على أهل العراق قتل أكثر من مليون ونصف المليون مسلم.

وسط هذا الركام الهائل والسواد القاتم والأوضاع المزرية اجتمع ثلة من خيرة شباب الأمة، وكلهم من أصحاب الشهادات الأكاديمية والخبرات العملية، للتباحث في شأن الأمة والحال التي وصلتها، وبعد التباحث والمدارسة والتفكير اتفقوا على أن منبع الشر وأم الخبائث وقرن الشيطان الذي أوصل بلادنا إلى هذه الوضعية المأساوية هي أمريكا الصليبية ومن ساندها من الدول الغربية، فلا يمكننا تحرير فلسطين ولا يمكننا خلع الحكام ولا يمكننا إحداث تقدم حقيقي في أي أمر من أمور هذه الأمة من دون إزالة أو إضعاف السبب الرئيسي المانع لتقدم هذه الأمة ألا وهو أمريكا الصليبية. وبما أن هذه الثلة ثلة مسلمة ملتزمة بتعاليم دينها علمت أن هذه الأمة لا يمكن أن يصلح آخرها إلا إذا اتبعت ما أصلح أولها، فرجعت إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله وسلم فوجدت أن الجهاد وسط هذه الظروف أصبح فرض عين على كل قادر حتى يندفع الكفار عن بلاد المسلمين، ولذا قرروا أن يقوموا بما افترضه الله عليهم، وبعد أن شاهدوا قلة عددهم وكثرة عدوهم تذكروا قول الله عز وجل: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)، وقوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)، وبعد أن شاهدوا تخاذل أمتهم وبعدها عن نصرتهم تذكروا قول الله عز وجل: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ). فجعلوا هذا شعارهم، وقرروا أن يشرعوا في قتال الصليبيين الذين احتلوا البلاد وأذلوا العباد، وأن يحرضوا أمتهم على سلوك نفس المسلك. وهكذا نشئ تنظيم قاعدة الجهاد ليكون طليعة نخبوية قتالية يدفع عن أمة الإسلام العدوان الصليبي ويحرض الأمة الإسلامية على النهوض للقيام بواجبها، ولم يزعم يوماً أنه بديلاً عن هذه الأمة ولم يقل يوماً أنه يمكنه أن يحدث التغيير الشامل لوحده، ولكن التنظيم أخذ على عاتقه القيام بأوجب واجبات العصر ألا وهو دفع العدوان الصليبي الخارجي مع الإستمرار بتحريض الأمة ضد جميع أعدائها الداخليين والخارجيين. وبما أن أغلب علماء الأمة متخلون عن واجب الصدع بالحق ومداهنون لأعداء الدين من المرتدين وغيرهم قرر التنظيم الأخذ على عاتقه مسؤولية جبارة أخرى ألا وهي الصدع بالحق وعدم إخفاء شيء عن الأمة، رغم أن هذا الأمر سيزيد من الأعداء إلا أنه أدرك أن الرائد لا يكذب أهله وأن دور الطليعة القيادية يجب أن يتضمن رفع الغشاوة عن الناس ورفع مستوى الوعي والفهم عند الناس وإيصالهم للمرحلة التي يكونون مستعدين فيها نفسيا وعلمياً للقيام بواجبهم في مساندة هذه الطليعة في ردع العدوان الداخلي والخارجي. ولأن هذه الفئة اكتسبت خبرة كبيرة ومعرفة نادرة بطرق التخلص من الإمبراطوريات بعد أن قامت بإسقاط الإمبراطورية السوفيتية، قامت بوضع استراتيجية متكاملة لهزيمة الإمبراطورية الأمريكية بعد دراسة مستفيضة لأهم نقاط القوة والضعف لهذه الإمبراطورية. وقد اتسمت هذه الإستراتيجية بواقعية شديدة، حيث أدرك المجاهدون الفارق المهول في موازين القوى المادية بينهم وبين عدوهم، فجعلوا خطتهم معتمدة على حرب استنزاف طويلة الأمد لإقتصاد العدو من خلال اجباره على إنفاق أموال لا طاقة له بها في حروب متعددة لا يمكنه تحقيق النصر فيها، ومن خلال ضرب مصالحه الحيوية والإقتصادية حيث كانت. وبما أن الإسلام يأمر بالأخذ بالأسباب والإعداد قبل ملاقاة العدو، قامت هذه الثلة بالإعداد حسب استطاعتها وبالإمكانيات المتوفرة لها ثم توكلت على الله وأعلنت الحرب على أمريكا وهي تعلم أن الثمن باهظ جداً، وأن التضحيات التي يجب أن تدفع ستكون تضحيات غير مسبوقة تاريخياً، وأن الحرب ستستغرق أجيالاً قبل أن تؤتي ثمارها، وأن العدو سيقاتل بكل ما أوتي من قوة لكيلا ينهزم، وليمنع المسلمين من النهوض من الجديد، فيخسر بنهضتهم ما عمل على بنائه منذ نهايات عهد سليمان القانوني رحمه الله. فالقاعدة بإعلانها الحرب كانت تدرك كل هذا جيداً، ولكنها كانت تدرك أيضاً أن ثمن البقاء في الذل والخنوع وتحت سطوة أمريكا أضعاف وأضعاف ثمن الجهاد والتحرر.

إذا فالقاعدة ليست تنظيماً ممانعاً أو مقاوماً يلعب ضمن اللعبة الأممية الكبيرة ووفق القواعد التي يضعها العدو، وليست تنظيماً يسعى للإستيلاء على سلطة جزئية ويتنازل من أجلها ولو بشكل مرحلي عن مبادئه وغاياته، وليست تنظيماً يسعى لنيل شعبية زائفة على حساب التنازل عن المبادئ والإحجام عن الصدع بالحق ومداهنة الطواغيت على طريقة ما يطلبه المشاهدون، بل القاعدة تنظيم طليعي جهادي، يدفع عن الأمة العدوان الخارجي، ويقوم بواجب تحريض الأمة لتقف مدافعة عن نفسها أمام ما تتعرض له من قهر محلي وخارجي، ويصدع بالحق رغم ما ينتج عن ذلك من تكاثر الأعداء وانحسار الأصدقاء، وهو تنظيم قائم على أساس عقائدي، تلعب العقيدة الدور الأبرز في توجيه بوصلة تحركاته، فالهدف الأكبر والأسمى هو نصرة الدين وانتصار العقيدة ولو أدى ذلك لفناء التنظيم عن بكرة أبيه، فانتصار العقيدة هو الفوز العظيم الذي فاز به أصحاب الأخدود من قبل رغم فنائهم، ولا معنى لإنتصار مادي مهما كان حجمه إذا ما خسرنا مبادئنا وعقيدتنا التي هي الهدف من وجودنا على وجه هذه البسيطة.

الثورات ودور القاعدة

كيف حدثت الثورات؟ ولماذا الآن بالتحديد؟ فالظلم الذي ثار الناس ضده ممتد من عقود طويلة، ما الذي تغير في نفوس الناس وعقلياتهم ووعيهم وفهمهم ليثوروا؟ ما الذي تغير في المشهد العالمي لينتج عنه ظروف مُمَكنة للثورة؟ فلا يعقل أن قام بعض الشباب من النوم في صبيحة يوم من الأيام وقالوا لبعضهم لنصنع ثورة نغير بها حالنا ونثور بها على من ظلمنا. لا شك أن الثورات لم تحدث من العدم، ولا شك أنها حدثت نتيجة لتغير كبير في العقل الجمعي للأمة وتبدل في وعي شبابها، وتغير كبير في الظروف العالمية والإقليمية، وأزعم أن أحد أكبر المساهمين في إحداث هذا التغير هي القاعدة بجهادها بالسيف والكلمة، حيث أنها غيرت وجه العالم وأحدثت حراكاً في العالم الإسلامي لم يحدث منذ سقوط الخلافة الإسلامية، ولولا هذا التغير والتحول لما حدثت الثورات. فما الذي فعلته القاعدة لتحدث هذا التغيير في العقل الجمعي للأمة؟ وما الذي فعلته لتهيأ الظروف الإقليمية والعالمية؟ ألخص الإجابة في النقاط التالية:

أولاً: تدمير حاجز الخوف وعكس الهزيمة النفسية: إن أعظم ما فعلته القاعدة هو كسر حاجز الخوف في نفوس الناس، وإعادة ثقة الشباب في إمكانية إحداث التغيير مهما بدت الظروف مستحيلة. وفعلت ذلك من خلال ضربها لهبل العصر أمريكا، فعندما شاهد الشباب كيف أن كبير الأصنام يتهاوى أمام ضربات ثلة من أبناء جلدتهم أدركوا أنهم أيضاً قادرين على فعل مماثل في الأصنام الصغيرة. فغزوتي نييورك وواشنطن كانت الشرارة الأولى التي أطلقت الثورات في العالم العربي من خلال إطلاقها التحول الكبير في نفوس الناس، فبدأت طوابق الخوف والهزيمة النفسية، المعشعشة في نفوس الشباب، تنهار مع انيهار طوابق برجي التجارة ومقر البنتاغون، ومع هزيمة الأمريكان في العراق وأفغانستان.

ثانياً: نشر ثقافة التضحية والإستشهاد: عملت القاعدة على إعادة نشر ثقافة كانت قد بدأت في الإندثار، وهي ثقافة التضحية والإستشهاد، هذه الثقافة التي عمل الحكام ومن ورائهم الغرب طويلاً لدفن معالمها وتشويه وجهها الناصع. فكانت القاعدة، بقادتها قبل جنودها، قدوة للأمة في هذا المجال، وبدأ الشباب يشاهدون كيف أن شباباً مثلهم يقبلون على الموت من أجل حياة أمتهم، ومن أجل غد أفضل لأبنائهم وبناتهم.

ثالثاً: نشر الوعي المضاد للطبقة الحاكمة ورفع سقف النقد تجاه الحكام وأعوانهم: صدعت القاعدة بالحق منذ اليوم الأول لإنشائها، مبينة لأمتها حقيقة هذه الحكومات الفاسدة، فأعلنتها مدوية وبدون مواربة أن الحكام اليوم مرتدون وليسوا من الإسلام في شيء، وأنه يجب الخروج عليهم وخلعهم ولو بالقوة، وقامت بالرد على شبهات أعوان الظلمة من علماء السلطان، فكسرت بذلك هالة القدسية التي حاول هؤلاء العلماء إضفائها على أولياء نعمتهم. وبذلك رفعت سقف النقد الذي كان يمارسه غيرها فليس بعد الردة عن الإسلام شيء، فبدئنا نسمع الناس يتجرئون على الحكام أنفسهم بعد أن كان الخطاب الناقد منصباً على الحاشية والأعوان. وأصدرت القاعدة عشرات الأشرطة المرئية والسمعية وعشرات الكتب التوعوية التي أصَّلت فيها هذه المسألة ولو توفر للقاعدة هامشاً من الحرية لحدث التغيير منذ زمن بعيد.

رابعاً: إشغال أمريكا بنفسها وبإقتصادها: ومن أعظم ما قامت به القاعدة هو إشغال الداعم الأكبر لهؤلاء الحكام، أمريكا الظالمة بنفسها، فشنوا عليها أطول حرب في تاريخها، ونجحت خطتهم باستنزافها فأصبحت أكبر دولة مديونة في العالم، وتلاحقت عليها الأزمات الإقتصادية، واستنزفوا طاقتها المخابراتية إلى الحد الذي عجزت معه عن التنبأ بقيام الثورات العربية وبالتالي إنقاذ الحكام من سطوة شبابها. ورأينا كيف تخطبت أمريكا وما زالت في تعاملها مع الثورات العربية، فهي لا تعرف ماذا تفعل وهي تشاهد عملائها المخلصين يتساقطون واحداً تلو الآخر وهي لا تستطيع فعل شيء، لأنها مشغولة بداهية أعظم وهم المجاهدون وما فعلوه في شريان حياتها وقبلها النابض ألا وهو اقتصادها. وقد اعترف الأمريكان بأن الشيخ الشهيد أسامة بن لادن تقبله الله كلف الإقتصاد الأمريكي 2500 مليار دولار (اثنين ونصف تريليون دولار)، حتى أصبحوا يطلقون عليه لقب رجل التريليون دولار (Trillion Dollar Man). وهذا المبلغ هو فقط الكلفة المباشرة التي تكبدوها وإذا أضفنا الكلفة غير المباشرة فسيتضاعف المبلغ أضعاف كثيرة. فلولا الله سبحانه ثم إشغال المجاهدين لأمريكا واستنزاف إقتصادها ومواردها البشرية والمخابراتية لما نجحت الثورات العربية.

خامساً: الخوف من القاعدة ساهم في دعم الثورات: أمريكا قررت أن تفعل كل شيء حتى لا ينتصر المجاهدون، فتحالفت مع إيران رغم زعم العداوة بينهما، لئلا ينتصر المجاهدون في العراق. واليوم نراها تدعم الثوار الليبيين خوفاً من تغلغل القاعدة وتحول ليبيا لجبهة جاذبة للمجاهدين. وهي كذلك تبدي استعدادها للتعاون مع الإخوان المسلمين وتمكينهم من الحكم في بعض الدول العربية باعتبارهم أهون الشرين مقارنة بالقاعدة. وهكذا نشاهد الأمريكان وقبل اتخاذهم لأي قرار يخص الثورات العربية يضعون نصب أعينهم كيف سينعكس ذلك على معركتهم الإستراتيجية مع المجاهدين. فأصبحت أمريكا في حيص بيص، فإذا تنازلت عن عملائها فقدت الكثير لأنها ربتهم على عينها ودفعت دم قلبها في الدفاع عنهم وإبقائهم ملتصقين بكراسيهم، ومن ناحية ثانية إذا لم تتنازل عنهم وتدفعهم للخروج سيكون ذلك سبباً في دفع الناس إلى أحضان المجاهدين ولمزيد من اللحمة والألفة بينهم.

هذا باختصار بعض ما عملته القاعدة وبعض ما حققته والذي نتج عنه تغير في العقل الجمعي للأمة وتغير في الظروف العالمية المؤثرة مما جعل قيام الشعوب بالثورات أمر ممكن.

إذا فالزاعمين بموت القاعدة وإنتفاء الحاجة لوجودها وإنهزام منهجها أمام المنهج السلمي ينطلقون من منطلقات خاطئة، ويجهلون حقيقة القاعدة وطبيعتها ودورها. وهم إلى ذلك ناكرون للجميل، فلولا الله ثم القاعدة بمنهجها وإستراتيجيتها وصدعها بالحق لما حدثت ثورة ولا هم يحزنون. ثم إن القاعدة ستبقى ما بقي شبر محتل على وجه البسيطة، وما بقي الظلم والصلف الغربي، وما بقي حاكم واحد يحكم بغير شرع الله، وما بقي مسلم واحد في أسر كافر، وما بقيت الدنيا (وإن تغيرت الأسماء) لأن القاعدة أصبحت تمثل الجهاد والله وعدنا أن الجهاد ماض إلى يوم القيامة ومن أصدق من الله قيلا.

وغاية ما في الأمر أن الشانئين يستدلون برفض القاعدة للديمقراطية وهو رفض مبدئي من منطلقات شرعية وواقعية وفهم لحقيقة الديمقراطية، وإننا على قناعة ويقين أن الناس عاجلاً أم آجلاً سيتوصلون لهذه الحقيقة التي وصلت لها طليعتهم من قبل، وأن أسس الديمقراطية المرضي عنها من قبل الغرب ستصطدم عاجلاً أم آجلاً بتطلعات الشعوب المسلمة، وأن الناس وقريباً جداً سيطالبون بما تطالب به طليعتهم من إقامة شرع الله وإعادة الخلافة الإسلامية. فنحن نرى اليوم أن كل الأمور التي نادى بها المجاهدون أصبحت مطالب شعبية، فمثلاً عندما قال المجاهدون أن الحكام يجب الخروج عليهم بكل الطرق والوسائل وأن لا حل سوى هذا، وصموا بأنهم خوارج، ومع مرور الوقت تحول الشعب العربي كله إلى خوراج. وعندما نبه المجاهدون إلى الشيعة وإيران ودورها وأننا يجب أن نقاتلهم وندفع عن أنفسنا شرهم، اتهموا بأنهم تكفيرييون، وبعد أحداث البحرين تحول الشعب العربي كله إلى تكفيرييون

والآن يدعو الصادقين من الأمة وعلى رأسهم المجاهدين إلى إقامة شرع الله وتحكيم القرآن وقد اختاروا لهم هذه المرة لفظة السلفيين، وقريباً جداً بإذن الله سنرى كيف سيتحول الشعب العربي كله إلى سلفيين متشددين، وسيدركون حقيقة الديمقراطية كما أدركها الشعب العراقي الذي خرج يعض أصابع الندم كما حذرهم الأمير الشهيد أبو عمر البغدادي تقبله الله. فالمجاهدون دائماً ما يتقدمون على غيرهم في الفكر والفهم لأنه وعد الله لهم: (( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا))، وهم دائماً ما يرفعون أمتهم إلى متسواهم في الفهم والإدراك، وهم كذلك يدركون أن المسألة خاضعة لسنن الله الكونية وأن الأمة قد مرت بعقود طويلة من البعد عن الدين فستحتاج إلى وقت وجهد ودعوة لتدرك حقيقة أن حالهم لن ينصلح إلا برجوعهم إلا دينهم وتحكيم شرع ربهم وعندها ستجد حتى فساق هذه الأمة يطالبون بتحكيم شرع الله. وختاماً أقول أن الوقت إلى جانبانا فانتظروا إنا منتظرون وستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله، والحمد لله رب العالمين.

تنبيه مهم: أنوه إلى مسئلة مهمة لئلا أفتئت على المجاهدين، ولئلا يتخذ كلامي سبباً للطعن في منهجهم: لست ناطقاً باسم القاعدة ولا أدعي أن الكلام أدناه يمثل وجهة نظر القاعدة، علماً أن المقال لا يعبر إلا عن وجهة نظري الشخصية، ولا أدعي أنني أمثل أحداً من المجاهدين أو أنصارهم، ولست منظراً للتيار الجهادي ولست إلا أحد الذين يتشرفون بخدمة المجاهدين ونصرتهم. كما لا أدعي أن كل ما في المقال من بنات أفكاري، بل أن الكثير مما جاء فيه قرأته ولخصته من أبطال الإعلام الجهادي وكتاباتهم. وأعتذر على طول المقال وتضخمه فقد حاولت جاهداً الإختصار.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شنكاي النجدي

شموخ الإسلام / الميثاق © 1432-2011

Komentar
Loading...

Rekomendasi untuk Anda

Berita Arrahmah Lainnya